أبي منصور الماتريدي

200

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

حَسَراتٍ [ فاطر : 8 ] ، وقال : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ [ الكهف : 6 ] ، فالرسل - عليهم السلام - كانوا إذا أوذوا لم يكونوا يحزنون لمكان « 1 » أنفسهم بما أوذوا ، بل كانوا يحزنون لمكان « 2 » من يؤذيهم خوفا من أن يحل بهم الهلاك والبوار بإيذائهم رسل الله تعالى ، وإشفاقهم على قومهم هو الذي كان يحزنهم ؛ [ ليس سوء ] « 3 » صنيعهم ومعاملتهم معهم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ، أي : بعيدا أن يكون ، فيكون على النفي والإنكار ، وقد يستعمل هذا الحرف في موضع النفي ؛ يقول الرجل في المناظرة لصاحبه : أبعدت في القول ؛ إذا أجاب بشيء لا ثبات له ولا صحة ، فيريد بقوله : « أبعدت » : النفي ؛ أي : ليس كما تقول ، وقال الله تعالى : أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [ فصلت : 44 ] ، ومعناه على [ نفي النداء ] « 4 » ؛ أي : لا ينادون . أو أن يكون قوله : بَعِيداً أي : مستبعدا كونه ، فبعد عن أوهامهم حتى أنكروه . وَنَراهُ قَرِيباً ، أي : قريبا كونه ، إن كان معنى قوله : بَعِيداً أي : بعيدا كونه . أو وَنَراهُ قَرِيباً ، أي : كائنا ، وقد قرب وقت وقوع ذلك بهم ، وكل ما هو كائن فهو قريب . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ، فكأنهم سألوا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عن الوقت الذي وعدوا أن يقع بهم العذاب متى وقته ؟ فنزلت [ هذه ] « 5 » الآية « 6 » : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ . وقيل « 7 » : المهل : عكر الزيت ، وهو درديّه ؛ فجائز أن يكون هذا على التحقيق ، وهو أنها تتغير في ذلك اليوم من لون إلى لون ، فتحمر مرة ، وتصفر أخرى ؛ لشدة هول ذلك اليوم ، فتكون كدردي الزيت لينا ولونا متغيرا من حال إلى حال . وجائز ألا يحل بها التغير ، ولكن شدة ما ينزل بالمرء من الهول والفزع يضعف بصره حتى يرى السماء على خلاف اللون الذي هي عليه ، وهو كما يرى المرء إذا حل به

--> ( 1 ) في ب : بمكان . ( 2 ) في أ : بمكان . ( 3 ) في أ : لسوء . ( 4 ) في ب : النفي في النداء . ( 5 ) سقط في ب . ( 6 ) زاد في ب : وهو قوله . ( 7 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 34871 ) وعبد بن حميد وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 418 ) .